السيد كمال الحيدري

308

دروس في التوحيد

المقدّمة الثانية : تتمحور حول سؤال حاصله : هل تعدّ الظواهر التي اعتدنا أن نقول عنها بأنّها شرور ومصائب أموراً وجودية أم هي أمور عدمية ؟ فهل هي من قبيل البصر الذي هو أمر وجوديّ ، أم هي من قبيل العمى الذي هو عدم البصر ، ومن ثمّ فهو أمر عدمي ؟ عندما نتحدّث عن الفقر والألم والأمراض والمصائب والكوارث والفواجع التي يواجهها الإنسان في حياته ، وكذلك عن وجود الشيطان والنفس الأمّارة والوسواس الخنّاس ، فهل نتحدّث عن أمور وجوديّة أم عدميّة ؟ فلو كانت الشرور أموراً وجوديّة ، فلا ريب أنّها تحتاج إلى مبدأ فاعليّ ، وإلى خالق وإلى موجِد ؛ انسجاماً مع قاعدة " أنّ كلّ حادث يحتاج إلى مُحدِث " و " أنّ كلّ ممكن يحتاج إلى واجب وغنيّ يوجِده " . أمّا لو كانت هذه الشرور والمصائب أموراً عدمية ، فمن الواضح أنّه لا تحتاج إلى مبدأ فاعليّ يوجدها ، لأنّ العدم ليس بشيء فيحتاجَ إلى فاعل وإلى مبدأ . هذه هي فلسفة السؤال في هذه المقدّمة وهي هل الشرور أمور وجودية أم عدمية ؟ ما يذهب إليه حكماء المسلمين وفلاسفتهم ومتكلِّموهم أنّ كلّ ما يصدق عليه أنّه شرّ فهو أمر مرجعه إلى العدم . ولا يخفى أن المراد من عدمية الشرور ليس هو العدم المطلق ، في مقابل الوجود المطلق ، وإنّما المراد منه عدم المَلَكة أو العدم المضاف . فهو من قبيل العمى بالنسبة إلى البصر ، فمع أنّ العمى عدم لكنّه عدم مَلَكة ، أي عدم كمال لما من شأنه أن يتّصف بذلك الكمال . على هذا لا يقال للجدار إنّه أعمى لأنّه ليس من شأنه أن يكون له كمال البصر ، حتّى إذا فقد هذا الكمال وصف بالعمى . أجل يصحّ ذلك على الإنسان ، فهو الذي يتّصف بالعمى ؛ لما له من